منتدى الرشيد التعليمي
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أهلاً وسهلاً بكم معنا في منتدى الرشيد التعليمي
نتمنى أن تتكرموا بالتسجيل أو الدخول لتتمتعوا بكافة الخيارات والمزايا
يُسعدنا ويُشرفنا تواجدكم
حياكم الله

منتدى الرشيد التعليمي

منتدى تعليمي تعلمي
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالتسجيلدخول
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ** أهلاً وسهلاً بكم في منتدى الرشيد التعليمي ** نتمنى أن تجدوا المتعة والفائدة معنا ** الأستاذ : شحادة بشير
شاطر | 
 

 الشعر وتاثره بالمعطيات الجديدة في العصر العباسي (لطلاب العاشر)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمود عجان
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 660
نقاط: 3931
السُّمعَة: 66
تاريخ التسجيل : 10/11/2010
العمر : 18
الموقع : ســـــ الرقة ــــورية

مُساهمةموضوع: الشعر وتاثره بالمعطيات الجديدة في العصر العباسي (لطلاب العاشر)   السبت 4 ديسمبر 2010 - 21:06

من المتعذّر على دارس الأدب – ولا سيّما الشعر منه – إغفال العلاقة الوشيجة ، التي تربط بين الأدب ، بوصفه نتاجاً إنسانياً ، وبين ما يحيط بهذا النتاج ، من ظروفٍ مختلفةٍ تؤثّر فيه ، فالأدب في نهاية المطاف ، تصوير للحياة ، وانعكاسٌ لمعطياتها ، وعلى هدي هذا ، فهما متفاعلان ، ويؤثّر كل منهما في الآخر ، وإنّ أيّة دراسةٍ للأدب ، تنأى بنفسها بعيداً عن الظروف المحيطة بمبدع هذا الأدب ، لا تنجو من خلل ، أو نقص يعتريانها ، و على هذا(( فليس من اليسير دراسة الأدب دراسة منهجية واعية ، بمعزلٍ عن الأحوال العامة ، التي يعيشها صاحب الأدب ؛ إذ إن الأدب تعبير عن تأثّر الشخصية بمن حولها )) . (1)

إن الشاعر في حقيقة الأمر – بعيداً عن صفته الشاعرية – هو في نهاية المطاف ، فرد من أفراد المجتمع – وإن كان يمثّل شريحة مثقّفة – فهو يؤثر ، ويتأثر بمحيطه الذي يحيا فيه وبالتالي ، كان طبيعياً أن يتأثر نتاجه بجملة الظروف الجديدة ، التي فرضها واقع الحياة العربية في العصر العباسي ؛ ذلك أن التغيير الشامل ، الذي أصاب مختلف مرافق الحياة العربية في هذا العصر ، قد انعكس على الأدب ، شعره ونثره ، فازدادت نظرة الشعراء إلى الحياة عمقاً ، بفعل ارتقاء الحياة العقلية ، ذلك أن الشعراء اتجهوا ينهلون من المعارف ، ويتزوّدون بها ، ويحيلونها بعد تمحيصها وتحليلها ، شعراً يمتاز بالمعاني الدقيقة ، والتصوير الحسن ، وعمدوا إلى تقريبه من الأذهان ، من خلال تجميله بصور التشبيه ، والاستعارة ، وترتيبه ،وتنسيق أفكاره ،متأثرين بميلهم إلى المنطق ، واستفادتهم من الفلسفة ، وعلم الكلام .

لقد قامت الدولة العباسية ، على أنقاض الدولة الأموية ، واستوعبت – تبعاً لامتدادها الجغرافي – حضارات متعدّدة ، من فارسية ، وهندية ، وإغريقية ، وكان لهذا الامتزاج الحضاري ، انعكاساته الواضحة على الحياة العربية ، بل نستطيع القول ، بأن انقلاباً تاماً ، قد عرفته هذه الحياة ، ذلك أن المجتمع العربي ، قد عرف في ظلّ هذا الواقع ، حرية فكرية وعقدية ، وتعبيرية ، لم يألفها من ذي قبل،فقد عرف المجتمع (( حرية الهدى والضلال ، وحرية التقوى والفجور ، وحرية السمو إلى البحث عن الحقائق ، وحرية التدحرج إلى الانحلال والمجون ، فكان الابتذال والتهتّك في كل مكان ، في الكوفة ، والبصرة ، وبغداد ، كان سائداً في أكواخ الفقراء ، وقصور الأشراف ، وبطانة الخليفة ، بل كان في قصر الخليفة )) . (2)
وليس بعيداً عن الحياة الاجتماعية ، فقد عرفت الحياة العقلية هي الأخرى ، تغييراً حاداً فاعتراها نوع من التعقيد المفاجئ ، الذي لم يكن لها سابق عهد به ، فالحياة العربية في عصر بني أمية ، كانت موشاة بطابع من البساطة ، والعفوية في شتى نواحيها ، وما إن بسط العصر
(1)- التطور والتجديد في الشعر العباسي ، حسان الحسن ، رسالة دكتوراه ، كلية الآداب ، جامعة تشرين ، ص 95 .
(2)- التفاعل بين الحياة والفن و تأثيره في الشعر العباسي ، أحمد دهمان ، مجلة التراث العربي ، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، العدد /90 / حزيران ، 2003م .
العباسي فضل ردائه على الحياة العربية ، حتى استحالت هذه البساطة ، وتلك العفوية ، تعقيداً وتنوعاً لم تعرفه من قبل ؛ ذلك أن الثقافات التي استوعبتها دولة بني العباس ، على تنوعها وغناها ، كانت ذات أثر في رقي الحياة العقلية ، وتشعّب الثقافة ، وبُعد الفكر عن النظرة السّاذجة ، وجنوح الخيال وأساليب التعبير ، إلى لون من المبالغة ، والتعقيد .
وقد عرف العصر العباسي ، حركة نقل و ترجمة ، لعلوم الشعوب المغلوبة ، إلى العربية ، مما كان له عظيم الأثر في تنوّع الحياة العربية ، وغناها ، وميلها إلى التعقيد ، ولا سيما في الجانب الفكري ؛ ذلك أن حركة الترجمة ، أتاحت للعنصر العربي ، فرصة الاطلاع على تجارب الأمم الأخرى ، ومعارفها ، وعلى وجه الخصوص ، معارفها الفكرية ، والفلسفية بما امتازت به من شطحات ، في عوالم الماوراء الواقعي ، وما يضمّه من غيبيات ، وجنوح في عوالم الخيال .
ولم يقتصر الأمر على الاطلاع ، بل راح البعض يثاقفون فلاسفة هذه الأمم ويناظرونهم ويتتلمذون على أيديهم ، وأعقب ذلك مرحلة ، انتشرت فيها الفرق الكلامية ، ذات الطابع الفلسفي والتي كانت تزاوج بين علوم الدين الإسلامي ، والفلسفة ، في حجاجها الفرق ، والتيارات المذهبية ،والكلامية الأخرى ، وتقف فرقة المعتزلة ، على رأس هذه الفرق ، التي استعانت بعلوم اليونان – ولاسيما المنطق – في حجاجها الفرق الأخرى ، وقد لقي الفكر المعتزلي انتشاراً ورواجاً عظيمين في عصر بني العباس ، نظراً للحرية التي أتاحها خلفاء بني العباس لرعاياهم ، ولا سيما في عهد المأمون ، الذي اعتنق هو نفسه المذهب المعتزلي . (1)

إن الوقوف على مدى التأثير الذي ، الذي أصاب الشعر في العصر العباسي ، يُظهر لنا أن تطوراً ملموساً قد طرأ على القصيدة العربية ،سواء على صعيد الموضوعات الشعرية- حيث استجدّت بعض الموضوعات ، واتّسع بعضها الآخر – أم على صعيد الأدوات الشعرية ، ونعني بها جملة المكونات التي تدخل في تركيب القصيدة ، من لغة وخيال ، وموسيقى وصور وأفكار . وهذا طبيعي ؛ ذلك لأن لكل حقبة تاريخية (( مجموعة من التصورات الجمالية والصنائع الفنية ، والسمات الطرزية ، بدليل أن الغالبية العظمى من فناني كل عصر ، لا تكاد تشذّ على تلك الأساليب الخاصة ، اللهم إلا في حالات نادرة )) . (2)
لقد أحسّ الشاعر في العصر العباسي ، بوجود جملة من المحفّزات ، تدفعه لمواكبة التطورات الطارئة ، التي فرضها الواقع الحياتي الجديد في هذا العصر ، وما عرفه هذا الواقع من رقي حضاري ، وشعر برغبة داخلية في التغيير ، وحدّثته نفسه ، بضرورة خلق أنماط جديدة من التعبير ن تغاير ، أو تطوّر أنماطه القديمة ، في محاولة لسدّ الثغرة التي قد تنشأ ، فيما إذا بقي على حالة الجمود والانكماش . (3)
(1)- ينظر : الشعر العباسي تطوره وقيمه الفنية ، محمد أبو الأنوار ، دار المعارف ، مصر ، ط2 1987م ، ص 77 .
(2)- مشكلة الفن ، زكريا إبراهيم ، ص 123 .
(3)- ينظر : النقد الأدبي الحديث ، محمد غنيمي هلال ، ص 159 . ينظر أيضاً :الصورة الفنية في شعر مسلم بن الوليد ، عبد الله التطاوي ، ص 77 .
على أن هذا الذي ذكرناه ، لم يكن ظاهرة عامة ، أو شاملة لكل الإبداع الشعري ، ذلك أن عناصر الصنعة الشعرية ، وقيمها الفنية ، تختلف من شاعر لآخر ، تبعاً للأثر الذي تحدثه الحياة الجديدة في الشعراء ، وتبعاً لقدرات الشاعر الإبداعية ، في توظيف تلك المعطيات في شعره .
وأوّل تغير يلحظه الدّارس للقصيدة العربية في العصر العباسي ، لغتها التي عرفت تغييراً يكاد يكون جذرياً ، خلخل بناها التقليدية ،وخلّصها من أصفادها البدوية التي كانت تثقلها ، وذلك بفعل الواقع الحضاري الجديد ، بما ينطوي عليه ، من مظاهر رقي فكري ،و اجتماعي ، وثقافي فيجد الدارس لهذا الشعر ، لغة تختلف بدرجة أو بأخرى ، عما ألفناه في العصور السابقة ، ذلك أن مسحة من التكلّف ، قد انتابت لغة الشعر ،بفعل المعارف ، والعلوم التي ثقفها الشعراء ، حتى وصل الأمر إلى درجة ، لم يعد فيها الشعر قريباً من الأفهام ، نتيجة لاستخدام الجدل ، والمنطق على غرار ما هو معروف في أشعار أبي تمام ، فقد سأله أحدهم ذات يوم : لماذا تقول ما لا يُفهم ؟ فأجابه أبو تمام : وأنت لم لا تفهم ما يُقال ؟ . (1)
هذه المناظرة – إن صحّت التسمية – تدلّ بما لا يدع مجالاً للشك ، على أن مسحة من الغموض ، والتكلّف ، قد رانت على لغة القصيد العربية ، في العصر العباسي ،بفعل التغييرات الكثيرة التي عرفها هذا العصر ، انطلاقاً من أن لغة الشعر، ترتبط أشدّ الارتباط بالبيئة المكانية بما تشتمل عليه من تغييرات طبيعية ، وتحولات اجتماعية ، فهي غير منعزلة عن تحوّل الزمن وتبدّل ملامح العصر ، وتنوّع إيقاعه ، بعامل الإفادة من مظاهر التحضّر ، والتمدّن ، ومن تعدد المنافذ الثقافية ، والمعرفية . (2)
تجدر الإشارة ، إلى أن التكلّف الذي أومأنا إليه ، لا يعني الإيغال في صميم اللغة والوصول بها إلى درجة من التقعير ، مما يتوجب معه ، العودة إلى قواميس اللغة ، بغية فهم معاني الكلمات ، بل هو تكلّف يحتاج معه الشاعر ، إلى البحث الدقيق ، والاستقصاء الدؤوب عن مفردات تتناسب مع موضوع قصيدته ، هذا من ناحية ، وتناسب الذّوق السائد في عصره من ناحية أخرى . لنعاين قول أبي تمام مادحاً :
قد قلتُ في غلس الدُّجى لعصابة ٍ طلبتُ أبا حفص ٍ مناخَ الأركبِ
الكوكبُ الجشميُّ نُصب عيونكم فاستوضحوا إيضاءَ ذاك الكوكبِ
يُعطي عطاءَ المُحسن الخضْل النّدى عفواً و يعتذرُ اعتذارَ المُذنبِ (3)

(1)- ينظر :
(2)- ينظر : تكوين الخطاب النفسي في النقد العربي القديم ، حسن البنداري ، مكتبة الأنجلو المصرية ، 1992م ، ص 67 .
(3)- ديوان أبي تمام ، حبيب بن أوس الطائي ، مطبعة حجازي ، القاهرة ، 1942 م ، ص 12 ، 13 .


ولنعاين أيضاً قوله مادحاً :
طاعناً منحرَ الشمال متيحاً لبلاد العدو موتاً جنوبا
في ليال تكادُ تُبقي نجد الشم مس من ريحها البليل شحوبا
فضربتَ الشّتاء في اخدعيه ضربة غادرته عوداً ركوبا (1)
فهذه الأبيات ، لا تحتاج إلى كبير عناء ، حتى يعاين القارئ ، مدى التكلّف الذي عمد إليه أبو تمام ، في سبيل إسباغ صفة الكرم والجود على ممدوحه .
والأمر الذي لا نستطيع إغفاله ، هو أن الشعراء العباسيين ، لم ينبذوا لغة الشعر القديم وراءهم ظهرياً ، إنما عمدوا إلى لغة هذا الشعر ، وحاولوا إيجاد نوع من الملاءمة بينها ، وبين اللغة الجديدة ، التي فرضتها المعطيات الحضارية الجديدة في عصرهم ، واستخدموا كل مهاراتهم في سبيل ذلك ، وبفعلهم هذا ، نتج الأسلوب الجديد ، الذي اصْطُلِحَ على تسميته بالأسلوب المولّد ، أو المحْدَث ، والذي تسنّم زعامته بشار بن برد ، وطوّره مسلم بن الوليد وبلغ به أبو تمام الغاية . وهو أسلوب يمتاز بالكلمة المنتجة الرشيقة ، والمعنى المصيب الدقيق أسلوب يمتاز حيناً بالصفاء ، والنقاء ، والنعومة ، والعذوبة ، وحيناً بالجزالة ، والرصانة ، وهم في ذلك كلّه لا ينسون الشعر القديم ، وألفاظه ، ومعانيه ، ومن ثمّ ، فقد ظلّ الشعر القديم حيّاً في هذا العصر ، بل لعله حيي حينئذٍ ، حياة أكثر خصوبة من حياته القديمة ، فقد عاد ليُبعث بعثاً جديداً ، بعثاً يتمثّل فيه العصر بطاقاته الحضارية ، والعقلية . (2)
ومما تنبغي الإشارة إليه ، ونحن نتحدّث عن التطوّر ، الذي عرفته لغة القصيدة العربية في العصر العباسي ، تلك السلسلة من المصطلحات ، التي وجدت مسارب لها في فكر الشاعر ومن ثمّ لغته ، لتخرج من ثمّ في قصائده ، وهي مصطلحات أوجدتها البيئة الفكرية الجديدة والتي تجلّت في بيئات المتكلمين ، من أصحاب الجدل ، والمنطق ، والمناظرة ، ولا سيما المعتزلة ، وما أشاعوه في المجتمع العباسي ، على تنوع طبقاته واختلافها ، من (( أفكار ، وما انعكس في مجال الشعر من الجدل ، الذي ملؤوا به حياة الناس . وربما كان أبرز أثر لهم في لغة الشعر ، ناشئاً عن توجيه اللغة إلى استيعاب المعاني العقلية اللطيفة )) .(3) لنعاين قول أبي تمام مادحاً أحدهم :
أقولُ لأصحابي هو القاسم الذي به شرح الجودُ التباس المذاهبِ (4)
فثمّة شرح ، وثمة مذاهب ، وثمة التباس . وهي مفردات من معطيات العلوم العقلية ، التي أشاعتها الفرق الكلامية في العصر العباسي .
(1)- ديوان أبي تمام ، حبيب بن أوس الطائي ، ص 24 .
(2)- ينظر : الشعر العباسي تطوره وقيمه الفنية ، محمد أبو الأنوار ، 96 .
(3)- في الشعر العباسي الرؤيا والفن ، عز الدين إسماعيل ،المكتبة الأكاديمية ، القاهرة ، 1994م ، ص 402.
(4)- ديوان أبي تمام ، حبيب بن أوس الطائي ، ص 36 .

إن إيثارنا الوقوف، عند التطور الذي عرفته لغة القصيد العربية في العصر العباسي ، يتأتّى من إيماننا بالدّور الفاعل ، الذي تلعبه اللغة ، بوصفها مكوناً رئيساً ، من مكونات الصورة الفنية التي نحن بصدد دراستها ، وعلى هدي ذلك يمكن القول ، إن الصورة الفنية ، قد عرفت هي الأخرى ، نوعاً من التغيير ، بل لنقل إنها استجابت لدوافع التغيير ، وتناسبت طرداً مع التغيير الذي طرأ على فكر مبدعها ، والذي هو نفسه ، قد استجاب لمعطيات واقعه الجديد ، فعكف على إبداع الصور ، التي وجد فيها وسيلة للسيطرة على مظاهر الحياة من حوله ، بتنوعها الهائل وإبقائها في مرمى بصره ، واستطاع أن يتخذ من الصورة ، أداةً تحقق له نوعاً من التوازن النفسي ، والوجداني ، مع محيطه الاجتماعي ، وما يلفّ هذا المحيط من تناقضات ، فرضتها طبيعة الحياة الجديدة ، فالأشكال البلاغية ، أو الصورية (( ترتبط بالانفعال ، وتصدر عنه والانفعال متغيّر ، ومتبدّل من عصر إلى عصر ، فلكل تيار ، كما لكل فترة حساسيات خاصة وقيم شعورية خاصة ، ولا بدّ أن تخضع ضروب الأشكال الصورية ، لهذا التغيّر ، أو التبدّل الذي هو سنّة الحياة ، والكون )) . (1)
ولا يخفى أن الشاعر العباسي ، بما ثقفه من علوم بلاغية وأدبية ، حاول أن يثبت تفوقه على الشاعر القديم ، في معانيه ، وصوره ، وكثيراً ما كان الشعراء ، يوازنون بين معانيهم ومعاني القدماء ، وفي عبارة بشار ابن برد الآتية (2)، خير دلالة على ذلك ، إذ يقول : ما زلت أروّي بيت امرئ القيس :
كان قلوب الطير رطباً ويابساً لدى وكْرها العنّاب والحشفُ البالي(3)
إذ شبّه شيئين ، بشيئين ، حتى صنعت :
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل ٌ تهاوت كواكبهُ (4)
وهذا أمر طبيعي ، فحين تتسع آفاق الشاعر ، وتسمو مداركه ، وتصقلها المعرفة ، ويهذبها العلم فإن نفسه ستبتعد أكثر فأكثر في عالم الإبداع ، وسيحاول دائماً أن تواكب صوره ،و معانيه ، ما تشهده الحياة من حوله من رقي ، وتطور . ولن تنال الصورة حظّها من التطوّر ،ما لم يكن هذا التطور شاملاً لكل عناصرها المكونة لها ، ولا سيما الخيال ، الذي عرف قسطاً وافراً من الغنى والاتساع ؛ نظراً لتشعّب مجالات الفكر وتنوعها ، ومن هنا اتسم الخيال بالثراء ، والخصوبة وأصبح يمور بالحياة والحركة ،وإذا ما التمسنا الدليل على هذا ، فيكفي أن نطالع القصائد الجمّة التي آثر مبدعوها من الشعراء ، العدول إلى التجسيم ، والتشخيص ، في رسم صورهم، فألبسوا الجمادات ثوب المخلوقات الحية ، ونقلوا غير العاقل ، إلى مصاف العقلاء ., فابن الرومي مثلاً جرّد من الدهر إنسانا ، ً يتوجه إليه باللوم والتقريع ، ويكيل له الذّمّ ؛ لأنه أضرّ بممدوحه يقول :
(1)- مقدمة لدراسة الصورة الفنية ، نعيم اليافي ، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، دمشق ، 1982 م ، ص 66 .
(2)- ينظر :
(3)- ديوان امرؤ القيس ،
(4)- ديوان بشار بن برد ،
تجنّى عليك الدّهر ذنباً فلم يجد لك الدّهرُ ذنباً غير أنّك ماجدُ
سيعلم إن لم ينجز عنك أنه كطارفِ عيني نفسهِ وهو عامدُ
ولو كان يدري أن خُلدك زينةٌ له و جمالٌ ودّ أنّك خالدُ(1)
وتبعاً لهذا الثراء الخيالي ، غدت الصورة متسمة (( بالتلوين والتعقيد ، وخرج التشبيه عن بساطته المعهودة ، وعن أطرافه الواضحة المحدّدة ، واكتسب الشعر العباسي من ذلك ، جدة وطرافة )) . (2) . لنعاين قول مسلم بن الوليد :
أعشب خدي من البكا وقد أورق غصن الهوى على كبدي(3)
إنها صورة واضحة الدلالة ، على عمق الخيال ، وثرائه ، فما هذا البكاء الذي يُنبت العشب على الخدود ؟ بل أيُّ كبد ٍ هذه التي تنبت الأغصان ؟
إلا أن هذه الجِدّة ، وتلك الطرافة ، لم تكن بالقدر الذي يغني الشاعر في العصر العباسي عن العودة إلى صور أسلافه ، فعاد إليها ، ودرسها ، وتمعّنها ، وحاول أن يجاريها ، بل و أن يتفوق عليها ، مستفيداً في ذلك من جملة الظروف الجديدة ، التي خلقها له العصر ، وعلى هذا الأساس ، راح الشاعر العباسي يجدد في صوره .
وقد شهدت الصورة أيضاً ، تطوراً ملحوظاً على يد أصحاب المذهب البديعي ، هذا التيار الذي أوجدته حالة التجديد الواسعة ، التي شملت كل نواحي الحياة العباسية ، وهو تيار شعري تجديدي ، بلغ أوجه على يد الشاعر أبي تمام ، الذي خرج على نمط الصورة التقليدية ،ونمطيتها وخلق جماليات جديدة ، أوحتها له المضامين الشعرية المستجدة في عصره . ولمذهب البديع هذا قدرته على استيعاب الفلسفة ، ومعظم جوانب الثقافة الأخرى في العصر العباسي ، وبراعته تكمن في المواءمة بين العناصر الفنية ، والعناصر الفكرية في القصيدة ، فالأدوات البديعية من جناس ، وطباق ، ومشاكلة ...تمتزج بالفكرة الفلسفية ، وتخدمها ، والاستعارة تأخذ أطرافاً من المنطق ، والقواعد الفلسفية تؤثر على الصورة الفنية عامة ، وعلى لغة القصيدة ، وتجعل اللون العقلي ، أقوى من اللون العاطفي ، وهذا الضرب من الصناعة الفنية ، لم يألفه الشعر العربي من ذي قبل . (4)
من خلال ما تقدّم ، نجد أن الصورة الفنية ، في القصيدة العربية في العصر العباسي ،قد شهدت تطوراً ملحوظاً ، أملته طبيعة الحياة الاجتماعية ، والفكرية ، والعقلية ، وكانت الصورة – كاللغة – متأرجحة بين نوازع ومؤثرات شتّى ، بعضها يمتّ بصلة ، إلى التراث الشعري في العصر الأموي ، وما سبقه من عصور ، وبعضها الآخر جديد ، أملته الحياة العباسية فكانت الروح الشاعرة ، بحاجة إلى من يصوّر حياتها الجديدة المترفة ، وإلى من يصفها ، ومن
(1)- ديوان ابن الرومي ،
(2)- مواكب الأدب العربي عبر العصور ، عمر الدقاق ، دار طلاس للدراسات والنشر ، ط1 1988 م ، ص 112 .
(3)- ديوان مسلم بن الوليد ، مسلم بن الوليد ، مطبعة والدة عباس الأول ، القاهرة ، ط1 1907 م ، ص 40 .
(4)- يُنظر : الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث ، هيفاء عربية ، ص 38 .
هنا أتى بحث الشاعر عن أداة تصويرية ، تتناسب مع مهاراته الفنية المكتسبة ، وتساعده على القيام بهذا العبء الحضاري الجديد . (1

_________________
[right]محمود عجان الحديد
ثانوية الرشيد
الصف الأول الثانوي
mahmoodak33_33@hotmail.com
mahmoodak33@yahoo.com
[/right]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أحمد الحسين
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 210
نقاط: 3265
السُّمعَة: 72
تاريخ التسجيل : 18/11/2010
العمر : 18

مُساهمةموضوع: رد: الشعر وتاثره بالمعطيات الجديدة في العصر العباسي (لطلاب العاشر)   الأحد 5 ديسمبر 2010 - 13:54

الله يعطيك العافية

فعلا انت عضو تستاءل الشكر
مشكوووووووووووووووووور

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمود عجان
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 660
نقاط: 3931
السُّمعَة: 66
تاريخ التسجيل : 10/11/2010
العمر : 18
الموقع : ســـــ الرقة ــــورية

مُساهمةموضوع: رد: الشعر وتاثره بالمعطيات الجديدة في العصر العباسي (لطلاب العاشر)   الأحد 5 ديسمبر 2010 - 14:47

لا شكر على واجب أخ أحمد

_________________
[right]محمود عجان الحديد
ثانوية الرشيد
الصف الأول الثانوي
mahmoodak33_33@hotmail.com
mahmoodak33@yahoo.com
[/right]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ياسين الملا
نائب المدير العام
نائب المدير العام


عدد المساهمات : 891
نقاط: 4382
السُّمعَة: 139
تاريخ التسجيل : 08/11/2010
العمر : 18
الموقع : ســــــــــالرقةــــــــــــورية

مُساهمةموضوع: رد: الشعر وتاثره بالمعطيات الجديدة في العصر العباسي (لطلاب العاشر)   الأحد 5 ديسمبر 2010 - 21:41

مشكورررررررررررر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.alrqa.com/vb/index.php
هند رستم
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 2
نقاط: 2838
السُّمعَة: 10
تاريخ التسجيل : 03/12/2010
العمر : 20

مُساهمةموضوع: رد: الشعر وتاثره بالمعطيات الجديدة في العصر العباسي (لطلاب العاشر)   الجمعة 10 ديسمبر 2010 - 14:33

لاما عم اعرف اكتب موضوع عن النقائض بدي مساعدة ضروووووووووووووووووووووووووووووري حزين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
شحادة بشير
المدير العام للمنتدى
المدير العام للمنتدى


عدد المساهمات : 359
نقاط: 3676
السُّمعَة: 57
تاريخ التسجيل : 30/10/2010
العمر : 34
الموقع : سوريــ الرقة ــا

مُساهمةموضوع: رد: الشعر وتاثره بالمعطيات الجديدة في العصر العباسي (لطلاب العاشر)   الجمعة 10 ديسمبر 2010 - 20:03

هند رستم كتب:
لاما عم اعرف اكتب موضوع عن النقائض بدي مساعدة ضروووووووووووووووووووووووووووووري حزين

أخت هند هنالك موضوع للأخ محمود عن النقائض على هذا الرابط
http://shhada.syriaforums.net/montada-f10/topic-t37.htm
اضغطي على الرابط السابق وبإمكانك بعدها الاستفادة من الموضوع وكتابته

_________________
شحادة بشير
مدرس تربية إسلامية
الرقة - ثانوية الرشيد
الحقيبة الإلكترونية : http://shhada.zxq.net
منتدى الرشيد التعليمي : http://shhada.syriaforums.net
المدربان : عبد الكريم العسكري ومحمد كامل الحاج
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد : 11]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shhada.syriaforums.net
سامي جاويش
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 147
نقاط: 3194
السُّمعَة: 56
تاريخ التسجيل : 03/12/2010
العمر : 20
الموقع : سوريا - الرقة

مُساهمةموضوع: رد: الشعر وتاثره بالمعطيات الجديدة في العصر العباسي (لطلاب العاشر)   الجمعة 10 ديسمبر 2010 - 21:54

مشكور

_________________

سامي جاويش
ثاني ثانوي
ثانوية الرشيد
Sami.rash1995@hotmail.com
Sami.rash@yahoo.com
بسم الله الرحمن الرحيم
((ألم يئن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ))
صدق الله العظيم
هدوء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمود عجان
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 660
نقاط: 3931
السُّمعَة: 66
تاريخ التسجيل : 10/11/2010
العمر : 18
الموقع : ســـــ الرقة ــــورية

مُساهمةموضوع: رد: الشعر وتاثره بالمعطيات الجديدة في العصر العباسي (لطلاب العاشر)   الأربعاء 15 ديسمبر 2010 - 18:17

الله يحفظك و يسدد خطاك أخ سامي

_________________
[right]محمود عجان الحديد
ثانوية الرشيد
الصف الأول الثانوي
mahmoodak33_33@hotmail.com
mahmoodak33@yahoo.com
[/right]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

الشعر وتاثره بالمعطيات الجديدة في العصر العباسي (لطلاب العاشر)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الرشيد التعليمي ::  :: -